Deen Hub

ethics

الشكر في الإسلام: فضيلة من عرف نعمة الله

Deen Hub Editorial
2026-05-24
7 min read
قال الله تعالى: "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" (إبراهيم: 7). هذه الآية أوضح تعبير قرآني عن العلاقة الطردية بين الشكر وزيادة النعم؛ فالشكر لا يحفظ النعمة فحسب، بل يستجلب المزيد منها. والشكر في الإسلام ليس إحساساً عابراً بل عمل متكامل يشترط ثلاثة مستويات متزامنة: شكر القلب وهو الاعتراف الداخلي بأن كل نعمة من الله وحده، وشكر اللسان وهو قول الحمد لله عن وعي وتدبر لا عادة وآلية، وشكر الجوارح وهو استخدام النعمة فيما يُرضي المنعم.

النبي ﷺ كان خير من جسّد الشكر عملاً لا قولاً. كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فلما سُئل عن ذلك مع ضمان الجنة له قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" (البخاري ومسلم). وهذا يكشف أن الشكر لا يُستدعى في أوقات الشدة وحدها، بل هو الحال الدائمة للمؤمن الواعي بنعم الله عليه. وقد استشعر النبي ﷺ عظم هذه النعم فعبّر عن شكره بالزيادة في العبادة لا بالاسترخاء والاكتفاء.

ومن أعظم أدوات الشكر العملية: استحضار النعم الصغيرة التي يغفل عنها الناس كالبصر والسمع والعافية، والنظر إلى من هو دون الإنسان في النعم لا من هو فوقه، إذ قال النبي ﷺ: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم" (البخاري ومسلم). وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي تُغذي المقارنة التصاعدية باستمرار، يبدو هذا التوجيه النبوي أكثر قيمة وأشد ضرورة من أي وقت مضى.

وقد نبّه القرآن إلى أن الشيطان بعد طرده من الجنة أعلن حربه على الإنسان من بوابة الكفران: "لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ... وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" (الأعراف: 16-17). فالشيطان لم يعد بإيقاعهم في كبائر بعينها؛ بل بجعلهم غافلين عن نعم الله، كافرين بها. والقلب الكافر بالنعمة قلب في منتصف الطريق نحو الغفلة والضلال. ولهذا كان الشكر في الإسلام خط الدفاع الأول عن الإيمان، لا مجرد أدب اجتماعي حسن.

وخلاصة القول إن الشكر في الإسلام ليس مجرد شعور عابر يُستدعى في لحظات الفرح ثم يتلاشى في لحظات الشدة، بل هو حالة وجودية ثابتة: أن يرى المسلم في كل ما أُعطي نعمةً من المنعم الكريم تستوجب الاعتراف والتعبير والاستثمار في طاعته. والشاكر الحق يقف أمام الحياة في توازن نادر: لا تُطير النعمُ غرورَه لأنه يعلم أنها ليست من كسبه وحده، ولا تُحبطه المصيبةُ لأنه يعلم أنها اختبار من الحكيم الخبير. وهذا التوازن هو ما يُسميه الحديث النبوي سرّ الإيمان في قوله ﷺ: "عجباً لأمر المؤمن". ومن أراد أن يُنمّي هذه الحال في نفسه فليُداوم على أذكار الصباح والمساء، وليُديم النظر إلى من هم أقل منه في النعمة، وليحرص على صلاة الضحى التي وصفها النبي ﷺ بأنها تُؤدي شكر المفاصل كلها. فهذه الأعمال الثلاثة كفيلة بأن تُحوّل الشكرَ من أمنية إلى عادة راسخة تُغيِّر طريقة الإنسان في رؤية الله والحياة والناس.
Advertisement